Monday, December 14, 2015

سكينة على غير العادة




عادة يمر الوقت بسرعة.  ينشغل المرء بأعماله اليومية الروتينية التي تسمح له بمخالطة الناس بشتى انواعهم. لكن يومها ذاك، لم يكن من السهل  له أن يعيش بنفس النمط . ذلك النمط الاجتماعي المليء برفاق الحارة أو ربما أصدقاء العمل. ذاك اليوم بالذات  ترك أوراقه المتبعثرة على المكتب.. غير مهتم بنظام غرفته على غير عادته.  أخد سترته ورمى يده إلى الجانب الأيسر ليلتقط الولاعة. السيجارة في فمه متدلية تحاول السقوط بشكل من الأشكال..  كأنها ترفض أن تحرق بين شفتيه ..  لكن رغبته  تفوق طاقتها. في حركة خاطفة أشعل السيجارة وأخد يحاكيها على مهل. اتكأ على أريكته ونظره موجه إلى الجدران المليئة بالخدوش، فهي تشبهه إلى أبعد حد .. فهي  كذلك مرت بتجارب قاسية غير ناجحة .. تركت بصمتها لعل الزمان يتذكر يوما  أن الحياة ليست بتلك البساطة.

تأمل كثيراً فالدخان الذي ملء الغرفة. لم يعتد على الخلوة و السكينة .. فقد كان يحب الهرج والمرج  حتى في اختياراته الموسيقية. فكيف له أن ينتقل من أنغام الهارد روك الصخبة إلى الموسيقى الرومانسية الهادئة للشاب نصرو  ؟ ولم يا ترى  هذا التغيير؟ كيف وهو الذي لم يعرف أنه ليس هناك وقت  لإهداره على أغاني البؤس والضياع  .. يردد بصوت هامس خجل   يملأه الحنين والشوق  .. " نديرك أمور صافي بليزر.. "
رن الهاتف أخيراً ... رنةً أولى وثانية وثالثة ورابعة .. ثم قام من اريكته نحو المكتب ليجلس في كرسيه الخشبي. كانه يستعد لسماع خبر مهم قد يسبب له انهيارا عصبياً مفاجئاً. ألو .. من .. إيه  أهلاً وسهلاً .. فتبادل أطراف الحديث مع المتصل. انها أميرة أحلامه ، تتصل لكي تطمئن عليه بعد سفره الطويل. لكن  عجبا ..  اجاباته  لا تحمل أي مقدار من الشوق الذي أبانه أمام سيجارته قبل قليل .. لم تستمر المكالمة سوى دقائق معدودة .. و ودعته في أمل اللقاء به بعد غد...
انتظر هذه المكالمة لأزيد من شهرين، مكالمة  اجتمع فيها الشوق  والحنين لأيام لم تخلو  من لحظات حميمية مرحة حيث أبان لهما القدر عن  وجه  الجميل  المبتسم. رجع إلى سيجارته بعد أن لاحظ أنها مازالت ستتحمله لبعض الوقت. ثم بدأ  يبتسم لوحده  ويتكلم مع مخيلته. كان يخطط لسيناريوهات قد تكون مثيرة. إنه يخطط لطلب يدها للزواج. زواج قد مر بجميع مرحله. مرحلة اعجابه بها  و التي كانت بدايتها في أحد المعارض الفنية في طنجة ، ثم مرحلة الصداقة التي دامت سنتين ،وخيراً مرحلة الحب والتي أعطت شرارتها في أكادير.
جاء يوم الحسم، التقيا في نفس المكان القديم، تجلس هي  قرب النافذة ، ترتدي قميصاً قرمزياً و وشاحا على رقبتها  وقبعة على الطراز الفرنسي. ينبعث منها رائحة عطر جميل. فنانة في مزج الأشياء من حولها. تبادلا بعض الكلمات الروتينية ليعم الصمت  في المكان. ازداد خفقان قلبه واحمرت وجنتيه .. نظر إلى عينيها ثم استرسل في خطابه .. غيابي عنك لمدة شهرين برهن لقلبي أنك سبب وجوده. بوجودك في عالمي كنت أميراً يسطو كل الممالك .. في غيابك أصبحت عرضة للسطو والمجازر. صوتك كان نبراس أفكاري و هيام مخيلتي.. اكتشفت أنه لا فائدة من المقاومة في واد شديد السيل مادام هناك على  الضفة تقبع الأسود .. ميت أنا في كلا الحالتين... فأنا ممن يجدون الحساب.. أحببتك يوما وكنت بسببه سعيداً لأربع سنوات ..  لذا سأحبك ما بقي لي من العمر .. و سأكون سعيداً لو قبلت أن تضع هذا الخاتم في أصبعك .. وأن تجعلينني أمير أحلامك في السر والعلن
ابتسمت و تدفقت دموع الفرح من مقلتيها .. لم تجد ما تقوله و هي في هذه الحالة .. حركت رأسها لكي تعطي الموافقة .. وكانت تلك بداية قصة لعاشقين اختارا الصدق و الوفاء كدليل لحياتهم المستقبلية


No comments:

Post a Comment